هل يجوز مخالفة نص شرعي؟ النص الديني بين الجمود والمرونة رؤية تحليلية فلسفية .

0
ربما يظن كثير من النص أن النصوص الدينية مقدسة لجهة صدورها, ولكن الحق هو أن القداسة ليس من جهة صدورها بل لكونها تحمي حمى الله المقدس وهو "الإنسان".
النص الديني بين الجمود والمرونة

فالإسلام يهدف إلى صناعة الإنسان الأقوم بين المخلوقات "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم" .  
فجاءت العبادات لهدف هو النهي عن الفحشاء والمنكر والبغي . ليس لأن الله سبحانه يتضرر منها - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- بل الإنسان هو المتضرر .
فإذا كانت تلك هي غاية العبادة فيكون الإنسان هو غاية الله . فإذا كان غاية الله وجب على الله حمايته . فتكون الرسالات مصنوعة لحمايته . وكل نص يحمي الإنسان ويصون حياته هو نص وجب تقديسه واحترامه أيا كان مصدره .
وإذا تعارضت حياة النص مع حياة الإنسان تقدم الإنسان على النص .
"فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم".
مخمصة : مجاعة أو الجوع الشديد.
"فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه".
فالشرع نفسه أباح الخروج على النص إذا كان يترتب على النص هلاك الإنسان جزئيا أو كليا ..
بل تكفي خشية الهلاك مبررا للخروج على النص ونجد مثال ذلك في كتب السنة النبوية, هذه السنة التي هي ترجمة عملية لحياة الإسلام . 

اثنان خالفا رسول الله فأقرهما وآخرون أفتوا بما عرفوا عن رسول الله فغضب من فعلهم

-----

أما المخالفان فهما :

الاول : عن عمرو بن العاص قَالَ :
 " احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ " ذَاتِ السُّلَاسِلِ " فَأَشْفَقْتُ إِنْ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : 
( يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ ) .
فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنْ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ : 
( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) 
فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا " 
رواه أبو داود ( 334 ) وصححه الألباني
--
الثاني : عن علي قال: "بعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سرية وأمر عليهم رجلاً من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه، فغضب عليهم، فقال: 
أليس قد أمر النبي أن تطيعوني؟ 
قالوا: بلى. 
قال: قد عزمت عليكم لما جمعتم حطبا وأوقدتم ناراً ثمَّ دخلتم فيها، 
فجمعوا حطباً فأوقدوا ناراً فلما هموا بالدخول فقاموا ينظر بعضهم إلى بعض، فقال بعضهم: إنَّما اتبعنا النبي فراراً من النار، أفندخلها؟ 
فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: 
لو دخلوها ما خرجوا منها أبداً، إنما الطاعة في المعروف".
 رواه البخاري.
من هذين المثالين نجد خشية الهلاك كانت مبررة لمخالفة النص والخروج عليه.

أما الذين أفتوا بما عرفوا عن رسول الله فغضب من فعلهم فهم :

روى أبو داود في سننه وغيره من حديث جَابِرٍ قَالَ: 
خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ، فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ 
فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ، فَمَاتَ. 
فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: 
قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؛ فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ. اهـ
--------
هنا يعلم رسول الإسلام اتباعه أنه حتى في حالة عدم معرفة الرخصة أو الاستثناءات, فكان الواجب هو التوقف حتى السؤال وليس العمل بالنص الذي يؤدي إلى الضرر .
وهذا يكون في كل أمر .. فإذا فرضنا أن التيمم لم يكن قد شرع حينئذ, لوجب التوقف والفتوى بعدم العمل حتى يشفى باعتبار أن المرض عذر يبيح ترك الفعل . طالما ليس للفعل صورة أخرى يمكن اتيانه بها في تلك الحالة .
ومن هنا يتبين أن حياة الإنسان تتقدم على حياة النص الشرعي . ومصلحته معتبرة إلى حد اهدار النص لأن النص لم يشرع إلا لمصلحته فلا يجوز أن يكون سببا في هلاكه. أو في جلب مشقة غير عادية أو في أن يؤدي إلى أن يجتمع عليه مشقتين .. فإنما أجيز للمسافر أن يفطر لعلة وهي حتى لا يجتمع عليه مشقة الجوع والعطش مع مشقة السفر !.
ads

إرسال تعليق

0تعليقات
إرسال تعليق (0)