تعد قضية القضاء والقدر واحدة من أعمق الأسئلة الوجودية التي شغلت العقل البشري عبر العصور، وغالباً ما تصطدم الفطرة الإيمانية بتساؤل منطقي يبدو للوهلة الأولى شائكاً: إذا كان الله قد كتب مقاديرنا وأعمالنا قبل أن نولد، فكيف نتحمل مسؤولية أفعالنا؟ وأين تكمن حرية الإرادة البشرية أمام العلم الإلهي المسبق؟
في هذا المقال، لن نكتفي بالسرد التقليدي، بل سنغوص في التحليل المنطقي والفلسفي لهذه الشبهة، ونفكك الارتباط بين 'العلم المسبق' و'الإجبار'. سنناقش كيف يتقاطع مفهوم الزمن في الفيزياء الحديثة مع الرؤية العقائدية، وكيف يثبت العقل أن كتابة المقادير لا تعني سلب الإرادة، بل هي توثيق لعلمٍ أحاط بكل شيء قبل وقوعه. إذا كنت تبحث عن إجابة تشفي غليل العقل وتطمئن القلب، فإليك هذا التحقيق الفكري الشامل.
العدل .. إذا كانت أعمالنا مكتوبة قبل أن نولد فلماذا يحاسبنا الله عليها, لماذا يدخل هذا الجنة وهذا النار.. هل هذا عدل؟
الجواب:
إذا أخبرك أحدهم أن فلان الذي لا يجيد قيادة السيارات يقود الآن واحدة في وسط المدينة فأخرجت ورقة وقلم وكتبت: فلان سيقتل أحد المارة اليوم
ثم حدث ذلك .. فهل تكون أنت من حكمت عليه بقتل الضحية؟!
هل نحاسبك أنت ؟
ماذا لو كنت أنت إلها؟ هل نستطيع حينها محاكمتك؟ أم ستظل لا يد لك في هذا الفعل؟
هل نكون مخطئين إذا حاسبنا فلان عن جريمته؟
انظر كيف أن معلومة واحدة عرفتها عن "فلان" جعلتك تعرف مقدما الفعل المستقبلي الذي سيقع منه .
ماذا لو علمت عن "فلان" معلومة أخرى مثل أنه لا يملك هو ولا أسرته ولا أحد من أصدقائه سيارة ؟
كنت ستكتب : فلان سيسرق سيارة ويقودها ويرتكب بها حادث يروح ضحيته أحد المارة .
لكن هناك من كتب شيء آخر لأنه علم أشياء أكثر ..
أن فلان هذا تم طرده من عمله قبل ساعات وأن الضحية كان مديره في العمل الذي خرج مبكرا على غير عادته هذا اليوم بعد مشاجرة مع موظف لديه جعلته يفقد اعصابه ويقوم بطرده وعند خروجه من أبواب شركته ليعبر الطريق بدون انتباه صدمته سيارة مسرعة !
هذا الآخر كتب في ورقته : سيخرج المدير اليوم غاضبا فاقدا لأعصابه غير مدرك للواقع حوله عند عبور الطريق فتصدمه سيارة مسرعة في نفس الوقت فإن فلان الموظف لديه كان في حالة من الغضب والضياع مصمما على الانتقام فسرق سيارة وقادها في الطريق نحو أبواب الشركة التي كان يعمل بها في نفس الوقت الذي كان أحدهم خارجا لتوه هائما على وجهه !
إنه العلم يا عزيزي وليس الحكم .. أن الكتابة ليست حكما كان لا مفر لهما منه .
بل هو العلم السابق ..
المعلومات التي توفرت عنهما وكلما كانت أكثر كلما كان التوقع أقرب للوقوع .
إن الله كتب الأعمال بعلمه لا بقضائه فهو لم يقضي أن فلان يجب أن يفعل كذا فيصير مؤمنا فأدخله الجنة وفلان يفعل كذا فأدخله النار .
لأن أفعالنا لو كانت قضاء من الله فالحياة الدنيا التي تفصلنا عن الجنة والنار ستكون فاصل من العبث .. فلو أن نجارا جمع قطعا من الخشب أوقد بعضها وصنع من بعضها الآخر أرجوحة لما سأله عاقل لماذا حرقت هذه؟ ولماذا حسنت وجملت هذه ؟!!.
ولكن النجار يعلم !

