من نحن | نحو معرفة إسلامية جديدة

بيان تأسيسي
نحو معرفة إسلامية جديدة
ينطلق هذا المشروع من إيمانٍ بأن الإسلام ليس تراثًا مغلقًا، ولا مجموعةً من التفسيرات التاريخية التي انتهى عندها العقل المسلم، وإنما دينٌ حيّ قادر على أن يخاطب الإنسان في كل زمان ومكان.

وأن أعظم ما يواجه الفكر الإسلامي المعاصر ليس نقص النصوص، وإنما تراكم القراءات البشرية حول النصوص حتى اختلط في الوعي العام الدين بتفسير الدين، والوحي بفهم الإنسان للوحي، والمقصد بالتطبيق التاريخي، والإسلام بالتدين الذي صنعته ظروف اجتماعية وثقافية وسياسية متعاقبة.

ومن هنا تأتي الحاجة إلى مشروع فكري يسعى إلى إعادة النظر في علاقتنا بالدين، لا بهدف هدمه أو إخراجه من حياة الإنسان، وإنما بهدف استعادة قدرته على إنتاج المعنى والهداية والتشريع في واقع متغير.

أولًا: الإسلام بين الثبات والتجدد

نؤمن بأن للإسلام أصولًا كبرى وقيمًا ومقاصد وغايات تشكل جوهر رسالته، وأن هذه الأصول لا تفقد صلاحيتها بتغير الأزمنة.

لكننا في الوقت نفسه نرفض أن يتحول الفهم التاريخي لهذه الأصول إلى صورة نهائية مغلقة للدين.

فالإنسان الذي تلقى الوحي الأول لم يكن يعيش في فراغ؛ كان يعيش داخل مجتمع محدد، واقتصاد محدد، وعلاقات اجتماعية محددة، ومفاهيم قانونية وثقافية سائدة في عصره.

ومن ثم فإن فهم النص لا ينفصل عن فهم الإنسان والمجتمع والتاريخ والظروف التي ظهر فيها النص وتفاعل معها.

ثانيًا: التمييز بين الوحي والفهم البشري

نحن نميز بوضوح بين النص الذي ينسب إلى الوحي، وبين ما أنتجه البشر من تفسير وتأويل وفقه وتشريع وفكر حول ذلك النص.

فالقداسة، حين تكون متعلقة بالوحي، لا ينبغي أن تنتقل تلقائيًا إلى كل قراءة بشرية له.

ولذلك فإن نقد التفسير والفقه والفكر الديني ليس نقدًا للإسلام بالضرورة، كما أن مراجعة الموروث ليست عداءً للتراث.

إنما هي ممارسة طبيعية للعقل الذي أراد الإسلام منه أن يتدبر ويسأل وينظر ويعقل.

ثالثًا: الدين موضوع للبحث العلمي

نريد أن ندرس الدين كما ندرس أي ظاهرة إنسانية من حيث التاريخ والمجتمع واللغة والفلسفة والقانون وعلم الاجتماع، دون أن يعني ذلك اختزال الدين في هذه العلوم أو نفي بعده الإيماني.

فنحن نؤمن بإمكان اجتماع الإيمان والبحث العلمي، وأن احترام المقدس لا يعني تحصين الفهم البشري من النقد.

إن دراسة تاريخ التدين، وتطور المؤسسات الدينية، وتشكل المذاهب، وتأثير البيئة الاجتماعية والسياسية في الفقه، وتغير المفاهيم الدينية عبر التاريخ، ليست اعتداءً على الدين، بل محاولة لفهم الإنسان الذي حمل الدين وفهمه ومارسه.

رابعًا: النص التشريعي والواقع المتغير

ننظر إلى النصوص التشريعية أيضًا باعتبارها نصوصًا أسهمت في تنظيم المجتمع وتحقيق مصالح وغايات إنسانية.

ومن ثم لا يكفي عندنا السؤال:

ماذا كان الحكم؟

بل يجب أن نسأل أيضًا:

لماذا كان الحكم؟ وما الغاية التي كان يستهدفها؟ وما المصلحة التي أراد تحقيقها؟ وما الظروف التي نشأ فيها؟ وهل ما زالت تلك الظروف قائمة؟ وهل ما زال الحكم التاريخي يحقق الغاية نفسها في مجتمع مختلف؟

ومن هنا نعيد فتح باب الاجتهاد على أساس أوسع من مجرد إعادة إنتاج الإجابات القديمة.

فنحن نرى أن انتهاء النبوة لا يعني انتهاء قدرة المسلمين على إنتاج المعرفة الدينية والتشريع والاجتهاد، وإنما يعني انتقال مسؤولية فهم الواقع وتنزيل المبادئ الإسلامية عليه إلى الإنسان والعقل والاجتهاد.

وقد يقود الاجتهاد المعاصر، في بعض المسائل، إلى نتيجة تختلف عن الحكم الفقهي التاريخي، بل قد تختلف عن التطبيق الذي فهمه الفقهاء من نص معين، متى قام ذلك على منهج علمي واضح واستند إلى أصول الإسلام ومقاصده وغاياته.

وهذا لا يعني إنتاج وحي جديد، وإنما إنتاج معرفة دينية بشرية جديدة تستمد شرعيتها من اجتهاد الإنسان في فهم أصول الدين وتنزيلها على واقعه.

خامسًا: المقاصد قبل الجمود على الوسائل

نرى أن من أخطر مشكلات الفكر الديني أن تتحول الوسائل التاريخية إلى غايات، وأن تتحول الأحكام التي استهدفت تحقيق مصالح معينة إلى قوالب جامدة منفصلة عن تلك المصالح.

لذلك نعيد الاعتبار إلى السؤال المقاصدي:

ما الذي يريد الإسلام تحقيقه؟

العدل، والرحمة، والحرية المسؤولة، وصيانة الكرامة الإنسانية، وحفظ الحقوق، ومقاومة الظلم، وتحقيق العمران، وصيانة العقل، والأسرة، والمال، والإنسان، وغيرها من القيم والمقاصد التي تكشف عن الاتجاه العام للرسالة.

وعلى أساس هذه المقاصد يمكن للعقل المسلم أن يبحث عن التشريعات والآليات التي تحققها في عصره.

سادسًا: مواجهة الزيف من جميع الجهات

لا ينطلق المشروع من موقف دفاعي أعمى عن كل ما نُسب إلى الإسلام، ولا من موقف عدائي تجاه كل نقد وُجّه إليه.

نحن نريد اختبار الادعاءات بالمنهج والدليل.

سنكشف ما نراه من استغلال للدين لتحقيق المال أو السلطة أو النفوذ، ومن توظيف للجهل والخرافة لإخضاع الإنسان، ومن تحويل الآراء البشرية إلى حقائق مقدسة.

وفي الوقت نفسه سنفحص الادعاءات المعادية للإسلام بالمعيار نفسه، ونكشف الأخطاء المنهجية، والانتقائية، وبتر النصوص من سياقاتها، وتوظيف الوقائع التاريخية أو العلمية توظيفًا مضللًا، متى ثبت ذلك بالدليل.

لا حصانة لفكرة بسبب صاحبها، ولا تُرفض فكرة بسبب هوية صاحبها.

المعيار هو الدليل والمنهج.

سابعًا: من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها

لا نريد مشروعًا يكتفي بتكرار ما قاله السابقون، ولا منصة تكتفي بالدفاع عن الموروث أو مهاجمته.

نريد أن نشارك في إنتاج معرفة إسلامية جديدة قادرة على مخاطبة الإنسان المعاصر بلغته وأسئلته ومشكلاته.

ولهذا سيعمل المشروع من خلال:

- الكتب والدراسات.
- المقالات والأبحاث.
- الحوارات مع المفكرين والباحثين.
- البودكاست والبرامج المرئية.
- المحتوى الرقمي الموجه للشباب.
- مراجعة الكتب والأفكار.
- دراسة القضايا الدينية والاجتماعية والقانونية من منظور نقدي.
- دعم الباحثين والمفكرين أصحاب المشاريع الإصلاحية الجادة.

ثامنًا: مشروع إصلاحي لا مشروع علماني

هذا المشروع لا ينطلق من الرغبة في إقصاء الإسلام عن المجال العام، ولا من تحويل الدين إلى شأن شخصي محض.

وفي الوقت نفسه لا يسعى إلى فرض قراءة دينية واحدة على المجتمع، ولا إلى منح سلطة مطلقة لأي مؤسسة أو جماعة أو شخص بحجة امتلاك الحقيقة الدينية.

نحن نبحث عن إسلام قادر على الحوار مع العقل والعلم والإنسان المعاصر، دون أن يفقد هويته، وعن عقل مسلم قادر على ممارسة النقد دون أن يفقد إيمانه.

تاسعًا: الإنسان هو غاية الإصلاح

في النهاية، لا نريد تجديدًا من أجل التجديد.

نريد دينًا يُعيد للإنسان كرامته، ويحرر عقله من الخرافة والخوف، ويجعله أكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين الدين والتدين، وبين المقدس والبشري، وبين النص وتفسير النص.

نريد خطابًا دينيًا يجعل المسلم أكثر وعيًا بدينه، لا أكثر خوفًا من السؤال.

وأكثر قدرة على التفكير، لا أكثر اعتمادًا على سلطة الأشخاص.

وأكثر التزامًا بالعدل والرحمة والحق، لا بمجرد تكرار العبارات والمقولات.

رسالتنا

أن نساهم في بناء معرفة إسلامية معاصرة، تنطلق من أصول الإسلام ومقاصده، وتستخدم أدوات العقل والعلم والتاريخ والفلسفة والقانون وعلم الاجتماع، وتعيد فتح باب الاجتهاد وإنتاج المعرفة الدينية بما يستجيب لتحولات الإنسان والمجتمع.

رؤيتنا

إسلامٌ يُفهم ولا يُلقَّن،
ويُناقش ولا يُخشى منه،
ويُجدَّد ولا يُجمَّد،
ويحمي الإنسان ولا يستعبده،
ويواجه الخرافة بالحقيقة،
والجهل بالمعرفة،
والظلم بالعدل،
والزيف بالدليل.

هذه هي نقطة البداية.

لسنا ندّعي امتلاك الإجابات النهائية.

لكننا نؤمن بأن السؤال الصادق، والعقل الحر، والمنهج العلمي، والإيمان بالحق؛ يمكن أن تفتح للمسلمين طريقًا جديدًا لإنتاج معرفة دينية تليق بعصرهم.
ads

إرسال تعليق

0تعليقات
إرسال تعليق (0)